محمد أبو زهرة

415

المعجزة الكبرى القرآن

259 - أجمع العلماء على أن القرآن هو اللفظ والمعنى وأن من خالف ذلك يعد قد خالف في أمر عرف من الدين بالضرورة ، وليس المعنى وحده يعد قرآنا ، لأن التحدي كان باللفظ والمعنى ، ولما تحداهم اللّه تعالى طالبهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات ، وواضح أن التحدي هنا باللفظ . وأن جبريل عليه السلام نزل على النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بلسان عربى مبين ، ولقد وصف القرآن الكريم بأنه عربى ، فقال تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا ، وقال تعالى : كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 3 ) ، فالقرآن بلفظه ومعناه عربى ، ولا يصح أن يقال عن كتابة بعض معانيه بغير العربية أنها قرآن . ومع وضوح هذه الحقيقة البدهية التي لا تختلف فيها العقول عند أهل الإيمان ، ولا تتباين فيها الأنظار ، وجد من الناس من ادعى أن معاني القرآن قرآن ، وأنه على هذا الاعتبار تجوز ترجمة القرآن الكريم على أن يكون المترجم قرآنا له كل خواص القرآن ، ويتعبد به كما يتعبد بالقرآن الذي نزل به جبريل بلسان عربى . بل وصل التهافت في القول إلى أن يدعى بعض الذين لا حرج على ألسنتهم ولا على قلوبهم أن يقول : إن الذي نزل به جبريل على النبي عليه الصلاة والسلام هو المعنى فقط . وذلك كله هراء من القول ، وانحراف عن الدين ، أو خروج عنه . وفي وسط ذلك المضطرب كان من بين الذين يتجنون على القرآن من ادعى أن الإمام الأعظم أبا حنيفة النعمان يرى أن القرآن هو المعنى فقط ، وبنوا على هذا جواز ترجمة القرآن عند أبي حنيفة رضى اللّه تعالى عنه ، وأكرم مثواه ، والأصل الذي بنوا عليه دعواهم أنه رأى في صدر حياته طوائف من الفرس قد دخلوا في الإسلام ، وقد علموا العربية ، ولكن ألسنتهم لم تطوع للنطق بها من غير رطانة أعجمية ، بل كانت تتلوى في مخارج الحروف العربية ، كما نجد اليوم الأعاجم الذين يعلمون اللغة العربية ، ولا تطاوعهم ألسنتهم في النطق السليم بها ، فسوغ أبو حنيفة لهؤلاء أن يقرءوا معاني الفاتحة بلغتهم الفارسية ، وقد روى في هذا أن أهل فارس في عهد الصحابة قد صعب عليهم مخارج الحروف العربية ، فطلبوا إلى سلمان الفارسي أن يعبر لهم بالفارسية عن معاني الفاتحة ففعل ، حتى لانت ألسنتهم وقرءوا القرآن باللغة العربية ، وقد اشترط أبو حنيفة لجواز ذلك ألا يكون الشخص مبتدعا بهذا العمل ، أي أنه يترك القراءة بالعربية مع القدرة على النطق الصحيح بها ، وإخراج الحروف من مخارجها ، ليقرأ معانيه بلغة أخرى فارسية أو أوربية . وقد روى عن أبي حنيفة أنه رجع عن هذا الرأي ، روى هذا نوح بن أبي مريم الجامع ، وهو الذي رجحه الأكثرون ، وإن النظرة التاريخية الفاحصة تجد ترجيح هذه